أحمد فارس الشدياق
140
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
النار والنور . أمّا العاجزون والسّقط فإنّهم يمكثون في المستشفى ، ويقوم بنفقتهم القادرون من الرعيّة ، فإنّ الحكومة لا تنفق شيئا من المستشفيات ، ولا على تصليح الطرق ، ولا على ترتيب الشرطة أيضا إلا أنّ أكثر الناس يستنكفون من المكث في المستشفى كما ذكرنا سابقا . فقراء الإنكليز وقد تقرر عند الإنكليز جميعا أن التصدّق على الفقراء يحملهم على الكسل والتواني ، فما يعطون فقيرا إذا مرّوا به ولو كان عريانا اعتمادا على وجود هذه المستشفيات ، ويمكن أن يقال : إنّ أكثر فقرهم هو من انهماكهم في شرب المسكرات ، فإنك ترى منهم فقراء كثيرين بأخلاق من الثياب ومهما يكسبوه ينفقوه في الجعة ، ولا يزالون يكرعون منها حتى تجحظ عيونهم ، وتنعقد ألسنتهم عن الكلام ، ولا يزالون يلهجون بذكرها فهي عندهم في الشتاء للتسخين وفي الصيف للترطيب . ومع ذلك فهم بالنسبة إلى أهل المدن الجامعة أصحى وأعفّ ، كما أنهم أسخى منهم وأكرم ، وهذه خطّة عامّة في جميع البلاد ، فإنّ أهل المدن لما كان احتياجهم إلى أسباب المعيشة والرفاهية أكثر كان الكرم فيهم أقل . وذكر الطبيب بوخان أنه عرف في زمانه نساء بعن أولادهن بالجعة . من مفاخر الإنكليز ثم إن الإنكليز طالما افتخروا بهناء العيش في ديارهم ، وهو عبارة عن أمرين ، أحدهما : التمتع بكل ما يلزم للإنسان في معيشته . والثاني : ترتيب وضع الأشياء المتمتّع بها ، وهو أن يكون لكلّ شيء موضع خاص به ولكلّ موضع شيء ، فمن غسل يديه مثلا في طست على مائدة ، ثم تناول المنشفة من جانب المائدة من دون أن يغادر موضعه ، ويفتش عليها ؛ فقد اتّصف بأنّه متهنّئ ، وقس على ذلك . والحقّ